Op deze pagina vind je alle zaalteksten van de tentoonstelling Van Bauhaus naar Mekka in het Modern Standaard Arabisch (MSA). Deze vertaling werd verzorgd door Tarek Atrissi Design.
يركّز متحف التصميم في دين بوش على عمليّات التحديث التي شهدها عالمنا منذ عام 1750 حتى اليوم. وهي عمليات حملت وعودًا مثيرة ومخيفة في آنٍ واحد، بوصفها تجسيدًا لعالم حديث ومتغيّر باستمرار، هو في الغالب ذو طابع غربيّ، وقد قُدِّم هذا العالم الحديث، بشكل مثير للاهتمام، بوصفه الحالة الطبيعيّة للإنسان.
لكنّ هذا التصوّر يثير أسئلة كثيرة: من يملك حقّ الادّعاء بالحداثة؟ كيف تبدو الحداثة؟ وما الذي يجعل من شيء ما حديثًا؟
يحاول هذا المعرض الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال استعراض حياة الدكتور محمود بودو راش وأعماله. فحياته ومسيرته المهنيّة تطرحان تساؤلات حول ما يُنظر إليه تقليديًا في أوروبا على أنّه الحداثة. وبكونه يضع قدمًا في أوروبا وقدمًا في العالم الإسلاميّ، فقد نجح الدكتور راش في بناء جسر بين عالمَيْن يبدوانِ مختلفَيّْن تمامًا، ليس بين أوروبا والعالم الإسلاميّ فحسب، بل بين التكنولوجيا والطبيعة، بين العقلانيّة والروحانيةّ، وبين الابتكار والتقاليد.
بالنسبة للمصمّمين، كانت هذه الثنائيّات جميعها تُعَدّ محاور مهمة، لكنّ التقاليد والابتكار يحتلّان مكانة محوريّة. فالتقاليد – بوصفها ممارسات ثقافيّة يُعتقَد أنّها تاريخيّة وثابتة – يمكنها أن تعيق سُبل التحديث، لذلك ينبغي كسرها أحيانًا أو إعادة اختراعها أو إعادة تركيبها أحيانًا أخرى. وتشكّل هذه الطرائق الثلاث في التعامل مع التقاليد محور هذا المعرض، وهي العدسة التي يُنظَر من خلالها إلى رحلة بودو راش ورؤيته الخاصّة للحداثة.
Rejecting Tradition / رفض التقاليد
تُعدّ التقاليد وسيلة لتثبيت مجموعة من الممارسات التي يُفترض أنّها أصيلة، ولحفظها حرفيًا كما هي. وبهذا، يُفترض أن تنشأ رابطة غير منقطعة مع ماضٍ مشترَك لجماعة ما، سواء أكانت شعبًا أو قبيلة أو عائلة. لكنّ الكثير من التقاليد التي نعتبرها ضاربة في القِدم هي ليست في الحقيقة قديمة كما نظن، بل جرى اختراعها عمدًا بهدف ترسيخ السلطة أو مقاومة التغيير. وينطبق ذلك أيضًا على مجالَيْ العمارة والتصميم، حيث نشأت تقاليد محدّدة تحدد “الطريقة الصحيحة” لممارسة هذه الفنون التطبيقيّة.
في عام 1907، تأسّس في ألمانيا اتحاد “دويتشر فيركبوند” (Deutscher Werkbund)، وهو جمعيّة ضمّت مصمّمين ومعماريّين ومصنّعين ألمان، وهدفت إلى جعل الصناعة الألمانيّة قادرة على منافسة كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة. وسعى الاتحاد إلى ترجمة مفاهيم الكفاءة التكنولوجيّة، والموضوعيّة العلميّة، والربحيّة الاقتصاديّة إلى لغة التصميم. ومن هذا التيّار وُلدت مدرسة الباوهاوس الشهيرة.
وقد مثّلت هذه التوجهات قطيعة جذريّة مع الماضي، تجلّت في اللغة الشكليّة، واستخدام الموادّ، وحتى في أسلوب الحياة الذي بشّرت به، بحيث تمّ رفض الزخرفة، وتبسيط الأشكال، والدعوة إلى الانفتاح والخفّة كقيم أساسيّة. هذه الرؤية أصبحت الأساس للتصميم الحديث.
كان بودو راش الابن رافضًا دومًا للعمارة التقليديّة. فقد كان والده وعمه من المجدّدين المعماريّين الذين خاضوا تجارب خارج الأطر التقليديّة، وكانوا جزءًا من اتحاد الـWerkbund. وعندما بدأ الدكتور راش بدراسة العمارة، لم يلقَ شغفًا حقيقيًّا بالمجال في البداية. لكن كلّ شيء تغيّر عندما تعرّف إلى مكتب المعماري فراي أوتو (Frei Otto)، حيث شعر على الفور بالانجذاب.
أصبح راش تلميذًا لأوتو، ثمّ تدرّج ليكون أحد أقرب تلاميذه، وشاركه في تجارب معماريّة شكّلت مقاربة جديدة للعمارة الحديثة، تقوم على مبادئ مستلهَمة من الطبيعة. في هذه المقاربة، لم تُترجم العقلانيّة إلى أشكال هندسيّة بسيطة، بل إلى هياكل معقّدة تنبع من أنجع الطرق لتوزيع القوى والحمولات.
BAUHAUS
كانت الباوهاوس، في جوهرها، مدرسة أسّسها فالتر غروبيوس عام 1919 في مدينة فايمار الألمانية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإسم مرادفًا للحداثة الأوروبيّة، ورمزًا لتقاليد التصميم الدوليّة. في هذه المدرسة، تمّ دمج الحِرف والفنون الجميلة بأفكار جديدة حول التصنيع والإنتاج الكمّي. كانت الباوهاوس، في جوهرها، بمثابة تقنين للحوارات الدائرة بين المصمّمين داخل اتحاد المصمّمين الألمان (Deutscher Werkbund)، وهو منظّمة جمعت بين المصمّمين والصناعة في ألمانيا.
بالنسبة لكثير من الفنّانين، كانت فظائع الحرب العالميّة الأولى سببًا في القطيعة الجذريّة مع الماضي، ودافعًا للبحث عن طرق لبناء عالم جديد من بين الركام. ولا يمكن فهم تأسيس الباوهاوس عام 1919 بعيدًا عن هذا السياق. ومن المفارقة أنّ القوى نفسها الّتي حوّلت الحرب العالميّة الأولى إلى معركة دمويّة مدمّرة — مثل التصنيع والإنتاج الكمّي (للسلاح، في هذه الحالة) — أصبحت يُنظر إليها الآن كأدوات يمكن أن تحرّر البشريّة من القيود الصارمة والتقاليد الجامدة الّتي سبقتها.
اعتمدت الباوهاوس على مبادئ رئيسيّة مثل البساطة، والكفاءة، والجوهر، باعتبارها سُبلًا نحو تصميم واضح وعمليّ. لا مكان لثقل الماضي وظلامه. لا مكان للزخرفة والإفراط. بل أصبح الانفتاح والضوء قيمًا مركزيّة تسمح بولادة عالم جديد مستنير. وهكذا تشكّلت لغة التصميم الحداثيّة — لغة دوليّة عابرة للحدود.
لكن لم تكن هذه الأفكار، ولا الممارسات المنبثقة عنها، محلّ ترحيب من الجميع. ففي عام 1925، انتقلت مدرسة الباوهاوس إلى مدينة ديساو بعد أن ضاقت بلديّة فايمار ذرعًا بالشكاوى المتعلّقة “بالفساد الأخلاقيّ والفوضى”. وفي ديساو، شُيّد مبنى مدرسيّ جديد قائم على مبادئ الباوهاوس. وفي عام 1928، تنحّى غروبيوس عن منصبه كمدير، وخلفه المعماريّ الاشتراكيّ المتشدّد هانس ماير، الّذي لم يلبث أن أُجبر على الاستقالة بعد أقلّ من عامَيْن، بأمر من عمدة ديساو. أَعْقَبَه في المنصب المعماريّ الأسطوريّ لودفيغ ميس فان دير روه، لكنّ النازيّين أغلقوا المدرسة عام 1931. حاول فان دير روه إحياء الباوهاوس من خلال تأسيس مدرسة خاصّة في برلين عام 1932، لكنّها أُغلقت أيضًا في العام التالي على يد الغيستابو.
تفرّق أساتذة الباوهاوس في أنحاء العالم، وبدأوا التدريس في الجامعات والمعاهد، وهكذا انتشرت فلسفة الباوهاوس، حتّى أصبحَتْ جزءًا أساسيًّا من برامج التعليم في كثير من المؤسّسات الغربيّة. وفي عام 2024، هاجمت جماعة “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليمينيّة المتطرّفة احتفالات الباوهاوس، واعْتَبَرتْها معادِية للتقاليد.
FREI OTTO
فراي أوتو (1925–2015) عاش كما يشير اسمه: حرًّا. مارس العمارة بأسلوب حرّ — مُتَحَرِّرًا من التقاليد، ومن أيِّ عقيدة جامدة. عندما دخل الدكتور راش، وكان آنذاك شابًّا طالب هندسة معماريّة، إلى استوديو فراي أوتو في شتوتغارت منتصف الستّينيّات لبدء عمل صيفيّ كنحّات نماذج جبسيّة، لم يكن يُدْرك أنّه على وشك الدخول في عالَم مُختلِف تمامًا. هنا، كانت الهندسة المعماريّة تُمارَس بشكل مختلف: تجريبيّة، علميّة، ومتداخلة مع اختصاصات متنوّعة. كان راش قد بدأ يفقد اهتمامه بالدراسة الأكاديميّة التقليديّة في الهندسة المعماريّة، ويراها مُمِلّة ومُحبِطة. لكنّه في استوديو فراي، الواقع على مَقْربة من الأكاديميّة، وجد بالضبط ما كان يبحث عنه — وكانت تلك بداية صداقة وتعاون مهنيّ دام لعقود.
اختصّ أوتو في تصميم الهياكل الشدّيّة، والّتي تُتيح بناءَ مساحاتٍ شاسعة باستخدام وسائل خفيفة الوزن. كان مثالُه الأعلى أن يَبْنيَ بأقلّ قدْر مُمْكِن من الموادّ والطاقة، وكان يُجري تجاربَ باستخدام أغشية فقّاعات الصابون لدراسة كيفيّة توزيع القوى في الطبيعة. قادَتْه هذه التجارب إلى تطوير نوع من العمارة العضويّة، مليئة بالعناصر المتفرّعة والأسطح المتموّجة. من وجهة نظره، الشكل لا يُخْلَق ، بل يُكْتَشف. استوديو أوتو جَمَع تخصّصات متنوّعة تحت سقف واحد: من علماء الرياضيّات إلى علماء الحفريّات. وكان من أوائل من أدخلوا الحواسيب إلى الممارسة المعماريّة، ممّا أتاح له تطوير أشكال هندسيّة أكثر تعقيدًا.
بوصفه مُبتكِرًا ورائدًا في الهندسة المدنيّة، أسّس فراي أوتو “معهد الهياكل الخفيفة” (Institut für Leichte Flächentragwerke) في جامعة شتوتغارت عام 1964، وظلّ أستاذًا فيه حتّى تقاعُده. ومن أشهر أعماله: سقف الاستاد الأولمبيّ في ميونيخ لألعاب 1972 الصيفيّة. المعماريّ المسؤول عن تصميم المجمّع، غونتر بينيش، كان قد استلْهم من الجناح الألمانيّ الّذي صمّمه أوتو في معرض إكسبو 1967 في مونتريال، وبعد فوزه بتصميم الإستاد، دعا أوتو للعمل على تصميم السقف.
في عام 2015، مُنِح فراي أوتو جائزة بريتزكر للهندسة المعماريّة — أرفع تكريم في هذا المجال. وكان من المُقرَّر الإعلان عن فوزه في 23 مارس من ذلك العام، لكنّه توفّي للأسف قبل ذلك بأسبوعَيْن، في 9 مارس.
HEINZ & BODO RASCH
عمل الشقيقان هاينز (1902–1996) وبودو راش (1903–1995) — عمّ الدكتور راش ووالده — معًا في شركة مُشْتَرَكة مُتخصّصة في العمارة وتصميم الأثاث وتنفيذ المعارض. ورغم أنّ فترة تعاونهما كانت قصيرة نسبيًا (1926–1930)، إلّا أن منهجهما الفريد جعلهما جزءًا فاعلًا من حركة التصميم الطليعيّة في ألمانيا. كانا شغوفَيْن بالتجريب، وكان الكرسي هو موضوعهما المفضل للتجريب. في عام 1927، ألّفا كتابًا مهمًّا حول الأثاث بعنوان “الكرسي” (Der Stuhl)، أصبح لاحقًا مرجعًا في مجاله. كانا يطمحان إلى تصميم “كرسي عائم”، وابتكرا عدة نماذج تجسّد هذا المفهوم الطليعيّ. من أبرز إنجازاتهما استخدام أثاثهما في تأثيث منزلَيْن ضمن مشروع حيّ فايسنهوف (Weissenhofsiedlung) في شتوتغارت عام 1927 — وهو حيّ تجريبيّ مثّل في الوقت ذاته معرضًا مفتوحًا للعمارة الحديثة، شارك فيه كبار المعماريّين في ذلك العصر، أمثال فالتر غروبيوس، لودفيغ ميس فان دير روه، مارت ستام وآخرين. بعد عام 1930، افترق الشقيقان وواصل كل منهما مساره. واصل والد الدكتور راش استكشافه للهياكل المعلّقة والقابلة للنفخ، إلا أن معظم هذه المشاريع بقيت على مستوى الأفكار ولم ترَ التنفيذ الفعليّ.
WEISSENHOFSIEDLUNG
في عام 1924، ظهرت فكرة إنشاء حيّ سكنيّ جديد في مدينة شتوتغارت، بدعم رئيسيّ من فرع اتحاد المصمّمين الألمان (Deutsche Werkbund) في ولاية فورتمبيرغ. تولّى المعماريّ لودفيغ ميس فان دير روه الإشراف الفنيّ على المشروع، واختار 17 من أبرز نجوم العمارة الحَداثيّة آنذاك، من بينهم فالتر غروبيوس، لو كوربوزييه، ي. ي. ب. أود، ومارت ستام. وبشكل سريع، صمّم هؤلاء المعماريّون وبنوا حيًّا يتكوّن من 21 مبنى، كان الهدف منه استعراض آخر تطوّرات العمارة الحديثة. افتُتِح حي فايسنهوف (Weissenhofsiedlung) في عام 1927، لكنّه قوبل بالازدراء من قِبَل الصحافة المحليّة وسكّان شتوتغارت. فقد اعتُبرت المباني — ذات اللون الأبيض في الغالب والأسطح المسطّحة — غريبة عن طابع المنطقة. وأَطْلقَت الصحف ساخِرة على الحيّ اسم “قرية العرب” (Das Araberdorf)، مدّعية أنّه أشبه بحيّ في تونس أو المغرب منه بحيّ ألمانيّ في شتوتغارت. استغلّ النازيّون هذه النظرة لاحِقًا لصالح دعايتهم، وأنتجوا بطاقات بريديّة للحيّ أُضيفت إليها صور جِمال وأشخاص عرب بطريقة القصّ والتركيب (الفوتومونتاج). لاحقًا، لم ينجُ جزء من الحيّ من قصف الحلفاء خلال الحرب العالميّة الثانية، وتمّت إزالته بالكامل. كان بودو راش، والد الدكتور راش، من أبرز من دافع عن الحفاظ على ما تبقّى من المباني، وسعى إلى ترميمها. فهو وشقيقه كانا قد شاركا في تأثيث منزلَيٌن ضمن المشروع عند افتتاحه عام 1927. وبفضل جهوده جزئِيًّا، حصل الحيّ على صفة “منطقة محميّة” في عام 1956. وفي عام 2006 تمّ ّتحويل المنزل الّذي صمّمه لو كوربوزييه إلى متحف، وفي عام 2016 تمّ إدراج الحيّ ضمن قائمة التراث العالميّ لليونسكو
Foto Ben Nienhuis
Reinventing Tradition / ابتكار التقاليد
كيف يمكن تحديث تقليد دينيّ عمره أكثر من 1400 عام؟ هذا هو السؤال الذي واجهه الدكتور محمود بودو راش في عام 1974، حين كان في المملكة العربية السعودية يدرس مناسك الحج، برفقة صديقه المعماري السعودي سامي عنقاوي. كان عنقاوي قد التقى براش عام 1973 في جامعة تكساس، حيث كان المعماري الألماني يدرّس بعد تخرّجه.
من خلال عنقاوي، تعرّف راش على الإسلام، وكان لذلك أثر بالغ عليه. فقد كان راش دائم البحث الروحيّ، يسعى لما هو أعمق من الإلحاد الذي نشأ عليه في كنف عائلته. بحث في المسيحيّة، ومرّ بمرحلة الهيبيز، وتجوّل لفترة في حديقة فوندل في أمستردام، حتى التقى بعنقاوي، وكان ذلك بمثابة وصوله إلى محطته الروحيّة الأخيرة. وعندما وصل إلى السعوديّة، أعلن إسلامه واتّخذ اسم “محمود”.
في الوقت نفسه، كُلِّف راش وعنقاوي من قِبل نائب حاكم مكّة بوضع دراسة شاملة لمناسك الحج. فقد بدأ عدد الحجّاج يتجاوز بكثير طاقة المكان، مما أدّى إلى حوادث وسقوط ضحايا.
كان من الضروريّ تحديث منظومة الحجّ. ولم يكن المقصود بالتحديث هنا تغيير الشعائر نفسها – فهي سلسلة من الطقوس التي يجب تأديتها بترتيب ووقت محدّدين لا يمكن المساس بهما – بل كان الهدف تمكين الحجّاج من أداء واجباتهم الدينيّة بأمان وسهولة أكبر، من خلال بنية تحتيّة حديثة. من أبرز المشاريع التي عمل عليها راش (بالتعاون مع عنقاوي وفراي أوتو) كان تصميم مدينة الخيام في “منى”، التي تُعدّ أكبر مدينة خيام مؤقّتة في العالم. شكّل هذا المشروع جوهر أطروحة الدكتوراه التي نالها راش في عام 1997، وذلك إثر اندلاع حريق هائل في منى أودى بحياة 340 شخصًا، مما عجّل بتطبيق نظام الخيام الآمن الذي صمّمه راش.
HAJJ
الحجّ هو فريضة إسلاميّة يجب على كلّ مسلم أداؤها مرّة واحدة في العمر، بشرط أن يكون قادرًا على ذلك بدنيًّا وماليًّا ونفسيًًّا. وهو أحد أركان الإسلام الخمسة التي تُشكّل الأساس الّذي يقوم عليه الإيمان. أمّا الأركان الأربعة الأخرى فهي:
الشهادة – الإقرار بوحدانيّة الله وأنّ محمّدًا رسول الله
الصلاة – أداء الصلوات الخمس اليومية
الصوم – الصيام في شهر رمضان
الزكاة – إخراج جزء من المال للمحتاجين بشكل إلزاميّ
يُقام الحجّ في شهر ذو الحجّة، وهو الشهر الأخير من التقويم الهجريّ القمريّ. وبما أنّ هذا التقويم يعتمد على دورة القمر، فإنّ السنة الهجريّة أقصر بـ 11 يومًا من السنة الميلاديّة المعتمَدة عالميًّا. في عام 2026، سيقع شهر ذو الحجّة بين 18 مايو و15 يونيو.
تُؤدَّى مناسِك الحجّ في مكّة المُكرَّمة وما حولها في المملكة العربيّة السعوديَة، وتستمرّ عادةً لمدة خمسة إلى ستة أيّام. وخلال هذه الأيّام، يجب على الحجّاج أداء مجموعة من الطقوس بترتيب محدّد (انظر المخطّط التوضيحيّ). في عام 2025، شارك حوالي 1.6 مليون حاجّ من 171 دولة في موسم الحجّ، بينما سُجّل العدد الأكبر في عام 2012، حيث بلغ قرابة 3.2 مليون حاجّ.
استقبال هذا العدد الهائل من الناس وإدارته يُعدّ عمليّة لوجستيّة ضخمة. لذا، ليس من المستغرب أن تقع حوادث على مرّ السنين، بعضها كان مأساويًّا. ومن أكثر الأسباب شيوعًا لحالات الوفاة كانت التدافعات الناتجة عن الهلع داخل الحشود. وقد ساعد التخطيط العمرانيّ وتطوير البنية التحتيّة في الحدّ من مثل هذه الحوادث. ومع تصاعد درجات الحرارة، بات الحرّ الشديد خطرًا متزايدًا يهدّد سلامة الحجّاج. ولهذا، باتت التدخلات المعماريّة تُستخدم أيضًا كوسائل للتخفيف من هذا التهديد البيئيّ المُتصاعِد.
MEKKA
مكّة هي مركز الإسلام. إلى درجة أنّ تعبير “مكّة لـ…” أصبح يُستخدم في لغات عدّة كناية عن المكان الأهمّ أو المَقْصد النهائيّ في أي ّمجال. تُعدّ المدينة مهد النبيّ محمّد ﷺ، وتضمّ عددًا من أقدس المواقع الإسلاميّة، مثل الكعبة المشرفة، وجبل النور (حيث نزل الوحي أول مرة)، وبئر زمزم المقدّسة. حتَى قبل الإسلام، كانت مكّة مركَزًا هامًّا في شبه الجزيرة العربيّة. فقد كانت نقطة التقاء لطرق التجارة، وموقِعًا لممارسة طقوس الحجّ الوثنيّة، حيث اعتادت القبائل العربيّة أن تَفِدَ إليها سنويًّا لزيارة مزار إلهها الخاصّ.
بدأ النبيّ محمّد ﷺ دعوته إلى الإسلام في مكّة، لكنّه اضطُرّ إلى الهجرة منها بعد أن واجه معارضة شديدة من كبار قريش. فرّ إلى المدينة المنوّرة، وعاد بعد سنوات ليفتح مكّة. وكان من أولى خطواته أن حطّم الأصنام الثلاثمئة والستّين داخل الكعبة — لكنّه في المقابل أبقى على تقليد الحجّ السنويّ ، وأعاده إلى جذوره التوحيديّة.
اليوم، تُعدّ مكّة من أكثر مدن العالم زيارةً، بفضل مَوْسِمَي الحجّ (الكبير) والعُمْرة (الصغير) اللّذَيْن يجذبان ملايين المسلمين سنويًّا. ولتلبية حاجات هذا التدفّق الهائل، تشهد المدينة عمليّة توسّع مستمرّة. لكنّ التوسّع ليس بالأمر الهيّن، فمكّة مُحاطة بالجبال، ما يحدّ من المساحة المُتاحة. ونتيجة لذلك، تمّ هدم العديد من المباني التاريخيّة واستُبدلت بأبراج شاهقة توفّر السكن والخدمات للحجّاج.
MEDINA
رغم أنّ المدينة المنوّرة ليست جزءًا رسميًّا من مناسك الحجّ، إلّا أنّها تظلّ محطّة مهمّة لكثير من الحجّاج. تقع على بُعد 440 كيلومترًا شمال مكّة، واسمها الكامل هو المدينة المنوّّرة، أي “المدينة المُضيئة”. وتُعرف أيضًا باسم مدينة النبيّ، في إشارة إلى النبيّ محمّد ﷺ، الّذي هاجر إليها عام 622 ميلاديًّا، هربًا من بطش كبار قريش الّذين رفضوا دعوته إلى التوحيد. هاجر النبيّ مع أصحابه — وكان كثير منهم من الفقراء أو العبيد الفارّين — إلى بلدة يَثْرِب، الّتي غيَّر اسمها لاحقًا إلى المدينة. ومن هذه الواحة، بدأ الإسلام ينتشر ويترسّخ.
تضمّ المدينة المنوّرة عددًا من المواقع المقدّسة الّتي تجذب أعدادًا كبيرة من الزوّار، منها:
مسجد قباء: أوّل مسجد بُني في الإسلام
المسجد النبويّ: كان بمثابة مركز دينيّ واجتماعيّ وقضائيّ
قبر النبيّ محمّد ﷺ
جبل أُحد: موقع معركة ذات أهميّة كبيرة في التاريخ الإسلاميّ
المدينة المنوّرة أيضًا هي الموقع الّذي يَحْتضن أبرز أعمال الدكتور محمود بودو راش المعماريّة:
المظلّات القابلة للفتح المنتشرة داخل المسجد النبويّ وفي ساحاته، والقباب المنزلقة الّتي تغطّي سطح المسجد.
MINA
يقع وادي مِنى على بُعد نحو 8 كيلومترات جنوب شرق مكّة المكرّمة. ويُعدّ موقعًا مركزيًّا لأداء اثْنَيْن من أهمّ مناسك الحجّ: رمي الجمرات (رجم الشيطان)، وذبح الأضحية. يمضي الحجّاج في هذا الموقع عدّة ليالٍ ضمن ما يُعرف بأنّه أكبر مدينة خيام في العالم.
وفقًا للتقاليد الإسلاميّة، يُعتقد أنّ هذا الوادي هو المكان الّذي أُمر فيه النبيّ إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل، اختبارًا لإيمانه. وفي اللحظة الأخيرة، تَدخّل الله وأمره بذبح كبش عوضًا عن إسماعيل، في واقعة تُعدّ أصل عيد الأضحى. وأثناء استعداده لتنفيذ الأمر، حاول الشيطان أن يُثْنِيَه، فأمرَهُ الله أن يرجمَه بالحجارة، وهي الحادثة الّتي يُخلّدها رمي الجمرات. في هذا الطقس، يرمي الحجّاج سبع حصيات ثلاث مرّات متتالية، على ثلاثة جدران منفصلة ترمز إلى الشيطان. ومع كلّ رمية، يُعبّر الحاجّ رمزيًّا عن تخلّيه عن الأهواء والنزعات الأنانيّة.
في السابق، كانت الحجارة تُرمى على ثلاثة أعمدة تُعرف بالجمرات، لكنّ هذا الشكل تسبّب في حوادث مُتَكَرِّرة، منها تدافعات وإصابات نتيجة الرمي الخاطئ. وفي عام 2004، تمّ استبدال الأعمدة بثلاثة جدران بطول 26 مترًا لتحسين مستوى الأمان.
تُقام شعائر رمي الجمرات على مدى ثلاثة أيّام، وخلالها ينام الحجّاج في واحدة من 100,000 خيمة نُصبت في الوادي. في الماضي، كان الحجّاج يجلبون خيامهم الخاصّة، ثمّ وفّرت الحكومة خيامًا من القطن حتى عام 1997، حين اندلع حريق هائل أَوْدى بحياة أكثر من 340 شخصًا.
عقب الكارثة، استُبدلت الخيام القطنية بخيام جديدة من تصميم الدكتور محمود بودو راش، استنادًا إلى مفهوم كان قد طوّره بالفعل عام 1979. الخيام الجديدة مصنوعة من نسيج من الألياف الزجاجيّة المقاوِمة للحريق والمغطّاة بالتفلون. الجدران والأسقف مدعومة بهياكل فولاذيّة مُثَبّتة على قواعد خرسانيّة. تبلغ مساحة كلّ خيمة 8 × 8 أمتار، وهي وحدات نمطيّة معياريّة مزوّدة بأنظمة تكييف هواء.
استلهم الدكتور راش تصميمه من الخيمة التقليديّة للحجّاج، مع إعادة تخيّل حديثة تراعي السلامة والراحة.
SLIDING DOMES
خلال التوسعة الكبرى الثانية للمسجد النبويّ في المدينة المنوّرة (انظر النصّ حول المظلّات)، تمّ تركيب 27 قبّة متحرّكة عام 1992. تتحرّك هذه القباب على قضبان مخصّصة، وتُفتح في المساء للسماح بخروج الهواء الساخن ودخول الهواء البارد إلى داخل المسجد، ممّا يساهم في تلطيف الأجواء. صُنعت القباب من موادّ مركّبة عالية التقنيّة، تشمل ألياف الكربون والزجاج، ومُغطّاة ببلاط خزفيّ وهيكل فولاذيّ. أمّا من الداخل، فهي مزيّنة بنقوش خشبيّة مَغْربّية مُذَهّبة، مَنْحوتة يدويًّا، ومُطَعّمة بحجر الأمازونيت — وهو حجر كريم أخضر اللون. يمكن فتح كل قبة خلال 72 ثانية فقط، ويبلغ وزن الواحدة منها 80 طنًّا
PARASOLS
المسجد النبويَ الشريف في المدينة المنوّرة هو ثاني أكبر مسجد في العالم بعد المسجد الحرام في مكّة. وقد كان ثاني مسجد يُبنى في المدينة عام 632 ميلاديّ (11 هـ) بأمر من النبيّ محمّد ﷺ، لكنّه سرعان ما أصبح الأهمّ، إذ شكّل مركزًا جامعًا للمجتمع الإسلاميّ الناشئ. لم يكن المسجد مجرّد مكان للصلاة الجماعيّة، بل كان أيضًا مركزًا للتعليم والقضاء. وفي السنوات الّتي تَلَتْ وفاة النبيّ، شهد المسجد العديد من التوسعات والتجديدات. فكلّ حاكم جديد كان يضيف أو يغيّر شيئًا في بنية المسجد.
في عام 1974، قرّر الملك فيصل بن عبد العزيز توسيع المسجد بمقدار 40,440 مترًا مربّعًا. ثمّ جاءت توسعة ثانية عام 1984، أوصلت المساحة الإجماليّة إلى 160,000 متر مربّع، لكنّها كانت توسعة ضخمة لم تكتمل إلا في عام 1992. كجزء من هذه التوسعة، أُنشئت ساحتان مكشوفتان، وفي عام 1991، صمّم الدكتور محمود بودو راش 12 مظلة كبيرة لتظليل الساحتَيْن. عند فتحها، يبلغ ارتفاع المظلّة الواحدة 14 مترًا، ويصل امتدادها إلى 24 مترًا، موفّرة الظلّ في أوقات ذروة الشمس. يؤدي الظلّ إلى تبريد الهواء في الساحات، كما يخرج الهواء البارد من أعمدة الدعم. وفي فصل الشتاء، تُفتح المظلّات في المساء للمساعدة في الاحتفاظ بالدفء خلال ليالي المدينة الباردة. وتعمل المظلّات بشكل آليّ، تفتح وتغلق حسب موقع الشمس، وهي مغطّاة بقماش خاصّ مقاوم للعوامل الجويّة ومطليّ بالتفلون.
ورغم هذه التوسّعات المتعاقبة، بقي المسجد النبويّ غير كافٍ لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلّين. فأصبح كثير منهم يُصلّون في الساحة المكشوفة أمام المسجد. ولذلك، تمّ وضع خطط لتغطية جزء من هذه الساحة. طوّرت شركة SL Rasch، التابعة للدكتور راش، نوعًا جديدًا من المظلات لتوفير الظلّ والحماية، تغطي مساحة تتّسع لحوالي 250,000 مصلٍّ. واليوم، تضمّ الساحة الأماميّة للمسجد النبويّ 250 مظلّة من هذا النوع.
CLOCK TOWER
في عام 2002، وضع الملك عبد الله بن عبد العزيز بنفسه حجر الأساس لمشروع وَقْف الملك عبد العزيز. يتكوّن هذا المُجَمّع الضخم من سبعة أبراج، ويقع مباشرة أمام البوابة الرئيسيّة للمسجد الحرام في مكّة. ويُعدّ من المشاريع العمرانيّة الكبرى، إذ تبلغ مساحته الطابقيّة الإجماليّة نحو 1.5 مليون متر مربّع، ويضمّ فنادق، ومتاجر، ومرافق للمؤتمرات. وفي عام 2006، بعد أن كانت أعمال البناء قد بلغت مرحلة متقدّمة، تقرّر إضافة أكبر ساعة في العالم إلى أحد الأبراج. لكن نظرًا لأنّ الأساسات لم تكن مصمّمة لتحمّل هذا النوع من البنى، كان لا بدّ أن يكون البرج فائق الخفّة، وألا يتجاوز وزنه 82,000 طنّ(!).
تمّ اختيار شركة SL Rasch، الّتي أسّسها الدكتور محمود بودو راش، لتنفيذ المشروع. وهي شركة متخصّصة في الهياكل الخاصّة والخفيفة (SL = Sonderkonstruktionen und Leichtbau). تطلّب تصميم وبناء البرج فريقًا متعدّد التخصّصات عالي الكفاءة. يبلغ ارتفاع برج الساعة نفسه 307 أمتار، ومع المبنى الأساسيّ الّذي يرتكز عليه يصل الارتفاع الكلّيّ إلى 607 أمتار. الوجهان الأكبران من وجوه الساعة الأربعة يبلغ قطر كلٍّ منهما 43 مترًا، وطول عقاربها 22 مترًا. ولأنّ سرعة الرياح على هذا الارتفاع عالية، كان لا بدّ أن تكون العقارب شديدة الصلابة والخفّة. لذلك، صُنعت من ألياف الكربون على يد شركة متخصّصة في بناء اليخوت الفاخرة، كما أنّها مُفَرّغة من الداخل، بحيث يمكن لشخص أن يقف بداخلها. أمّا آليّة الساعة نفسها، فيبلغ وزنها 21 طنًّا، وقد صمّمتها وصنعتها شركة Perrot الألمانيّة. ونظرًا لأنّ غير المسلمين ممنوعون من دخول مكة، فقد تولّى فريق Perrot توجيه عمليّة التركيب هاتفيًّا من مقرّهم في ألمانيا. في قمّة البرج، يوجد مركز تحكّم ومرصد قمريّ، ويعلوه هلال ضخم يحتوي في داخله على غرفة صلاة.
الاسم الرسميّ للمجمّع هو أبراج الساعة، وقد كان موضع جدل منذ انطلاقه. فحتّى قبل إضافة برج الساعة، واجه المشروع احتجاجات دوليّة بسبب هدم قلعة عثمانيّة تعود إلى القرن السابع عشر لإفساح المجال للبناء. لكن لدى بعض السكان المحليّين، كانت القلعة تُعدّ رمزًا للهيمنة العثمانيّة، لا للتراث. أمّا الآراء حول برج الساعة نفسه، فهي منقسمة بين المسلمين: فمنهم من يرى أنّه يطغى على الكعبة، ومنهم من يعتبره رمزًا لروح إسلاميّة حديثة ومعاصرة.
KAÄBA
إذا كانت مَكّة هي مركز الإسلام، فإنّ الكعْبة هي مركزه المطلق. فهي النقطة الّتي يتّجه نحوها المسلمون في جميع أنحاء العالم أثناء صلواتهم الخمس اليوميّة. لكنّ ذلك لا يعني أنّ هذا البناء المكعّب المغطّى بالحرير الأسود يُعبَد بحدّ ذاته، بل إنّه نقطة تركيز معماريّة، تُشكّل مرتكزًا روحيًّا موحّدًا.
وبالإضافة إلى تحديد اتّجاه القبلة، فإنّ الكعبة تؤدّي دورًا محوريًّا خلال مناسك الحجّ. ففي فترة زمنيّة معيّنة، يقوم الحجّاج بالطواف حول الكعبة سبع مرّات عكس اتّجاه عقارب الساعة، في طقس يُعرف بـ الطواف.
وفقًا للتقليد الإسلاميّ، بُنيت الكعبة على يد النبيّ إبراهيم وابنه إسماعيل. وعند الموضع الّذي يُقال إنّ إبراهيم كان يقف عليه أثناء البناء، تظهر بصمتا قدَمَيْه واضحتَيْن على حجر. ويُعرف هذا الموضع بـ مقام إبراهيم، وقد أُعيد تصميم هيكله الخارجيّ عدّة مرّات على مرّ القرون. ولمدة طويلة، كان يُغطى بقماش مزخرف فخم يُعرف بـ الستارة. أمّا النسخة الحاليّة من مقام إبراهيم، فقد صمّمها الدكتور محمود بودو راش.
يبلغ ارتفاع الكعبة حوالي 15 مترًا، وطول كلّ ضلع منها 12 مترًا. وتحتوي على باب واحد يقع على ارتفاع 2.13 مترًا عن سطح الأرض، ويُستخدم سُلَّم متحرّك للوصول إليه. يتم إزالة هذا السلَّم بين فترات الطواف حتّى لا يُعيق حركة الحجّاج، ويُستبدل دوريًّا بنسخ جديدة.
أما النسخة الحاليّة، فهي أيضًا من تصميم الدكتور راش، وهي في الأساس مَرْكَبة كهربائيّة مُمَوَّهة في هيئة سلّم. وقد زُيّنَتْ بنقوش خشبيّة من تصميم جاي بونر، المتخصّص في الأنماط الهندسيّة الإسلاميّة.
Foto Ben Nienhuis
Remixing Tradition / دمج التقاليد
على الرغم من أن بعض التقاليد ليست سوى اختراعات حديثة، فإن كثيرًا منها قد ترسّخ لدرجة أنه أصبح يشكّل العمود الفقريّ لمجتمعاتٍ بأكملها. ويجد المصمّمون أنفسهم باستمرار في علاقة متجدّدة مع هذه التقاليد، لأن التصميم لا ينشأ في فراغ، بل يعمل ضمن نسيج اجتماعيّ وثقافيّ.
هناك استراتيجيّات متعدّدة للتعامل مع التقاليد: يمكن رفضها، أو إعادة ابتكارها، أو إعادة تركيبها. وكذلك الحال مع الحداثة والتحديث، إذ قد يبدو أحيانًا أنّ الحداثة تعني بالضرورة تجاوز التقاليد، لكنّ الأمر ليس كذلك دائمًا. فقد يُكتفى، في أحيانٍ أخرى، بإضفاء “طابع حديث” على التقاليد، غالبًا بطابع باوهاوسي، من خلال التبسيط والتقليليّة والأحاديّة في الألوان.
لكنّ ما يثبّته الدكتور محمود بودو راش هو أنّ الحداثة يمكن أن تتجلّى في أشكال متعدّدة، وأنها لا تتعلّق بالمظهر الخارجيّ، بل بالبُنى العميقة التي تنشأ من تنظيم مبادئ معيّنة، سواء أكانت طبيعية، رياضية أو فيزيائية.
وهذا يفتح آفاقًا جديدة أمام المصمّمين في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا (التي كانت تُعرف سابقًا باسم الشرقَيْن الأدنى والأوْسط)، تتيح لهم استكشاف إمكانيّات إبداعيّة معاصرة دون أن يتخلّوا عمّا يميّز مجتمعاتهم. يمكنهم أن يقتطعوا، ويركبوا، ويعيدوا مزج العناصر، ويبتكروا من جديد، لتظهر بذلك لغة تصميميّة جديدة تُعيد للتقاليد قوّتها التعبيريّة، ولكنْ برؤية تنتمي لزمن الحاضر.



